وفد نمساوي يستكشف بطنجة المتوسط فرص التعاون في الطاقة والصناعة واللوجستيك

قام وفد رسمي واقتصادي من ولاية النمسا العليا بزيارة إلى المغرب خلال الفترة الممتدة من 6 إلى 9 أكتوبر الجاري، برئاسة وزير الاقتصاد Markus Achleitner، المنتمي إلى حزب الشعب النمساوي (ÖVP)، ووزير البنية التحتية Günther Steinkellner، عن حزب الحرية النمساوي (FPÖ)، وذلك لاستكشاف فرص تأمين إمدادات مستقبلية من الهيدروجين الأخضر للصناعات النمساوية، وبحث آفاق التعاون في قطاعات السيارات والموانئ والسكك الحديدية والتكنولوجيات البيئية.
وتندرج هذه الزيارة، التي أوردت تفاصيلها هيئة الإذاعة والتلفزيون العمومية النمساوية (ORF)، في إطار مساعي الولاية لتعزيز أمنها الطاقي، وتنويع مصادر الإمداد بالطاقة المستدامة، والاستفادة من المؤهلات المغربية في مجال الطاقات المتجددة، فضلاً عن استكشاف فرص جديدة للشركات النمساوية في السوق المغربية. كما تناولت المباحثات إمكانات استيراد الهيدروجين الأخضر خلال السنوات المقبلة، في أفق تلبية احتياجات الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

المغرب بوابة استراتيجية للطاقة والتعاون الاقتصادي مع أوروبا
يتعزز موقع المغرب باعتباره شريكاً محتملاً لأوروبا في مجال الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، مستفيداً من مؤهلاته الطبيعية في الطاقة الشمسية والريحية، ومن استثماراته في البنيات التحتية الصناعية واللوجستية والمينائية.
ويأتي هذا التوجه في سياق سعي المملكة إلى تطوير قطاع الهيدروجين الأخضر، من خلال مبادرة «عرض المغرب للهيدروجين الأخضر»، التي ترمي إلى استقطاب الاستثمارات وتطوير مشاريع إنتاج الطاقة النظيفة وتعزيز القدرة التنافسية للمملكة في الأسواق الدولية.
ويحظى هذا التوجه باهتمام متزايد من جانب الصناعات الأوروبية، التي تبحث عن مصادر مستقرة للطاقة منخفضة الانبعاثات، خصوصاً في القطاعات التي يصعب فيها الاستغناء عن الوقود الأحفوري بشكل سريع.
وفي هذا السياق، اعتبر Markus Achleitner أن المغرب يمثل «بوابة النمسا العليا نحو إفريقيا»، مؤكداً أن الهيدروجين سيؤدي دوراً أساسياً في التحول الصناعي خلال العقود المقبلة.
وأوضح المسؤول النمساوي أن ولاية النمسا العليا تُعد من المناطق الصناعية الأكثر استهلاكاً للطاقة في البلاد، وهو ما يجعل ضمان إمدادات مستقبلية ومستقرة من الهيدروجين مسألة استراتيجية بالنسبة إلى عدد من مؤسساتها الصناعية.
وأضاف أن أوروبا لن تتمكن، حتى في ظل التوسع الكبير في قدراتها الإنتاجية، من تغطية جميع احتياجاتها من الهيدروجين اعتماداً على إنتاجها الداخلي وحده، الأمر الذي يفرض البحث عن شركاء دوليين قادرين على توفير إمدادات إضافية.

سبعة مشاريع مغربية للهيدروجين الأخضر بقدرة مخططة تبلغ 15 غيغاواط
بالتزامن مع الزيارة النمساوية، كشف مراد الحجاجي، المدير العام لتجمع الهيدروجين الأخضر بالمغرب (Green H2 Cluster)، أن سبعة مشاريع مغربية بلغت مرحلة متقدمة من المفاوضات مع الحكومة المغربية.
وأوضح أن القدرة الكهربائية المتجددة المخطط لها في هذه المشاريع تصل، في مجموعها، إلى نحو 15 غيغاواط، وهو ما يعكس حجم الطموحات الاستثمارية المرتبطة بتطوير هذا القطاع.
غير أن هذه القدرة تمثل الطاقة الكهربائية المتجددة المزمع تخصيصها للمشاريع، ولا تعني إنتاج 15 غيغاواط من الهيدروجين نفسه، كما لا تسمح وحدها بتحديد الكميات التي يمكن إنتاجها أو تصديرها أو تسويقها مستقبلاً.
وفي ما يتعلق بالتكلفة، أشار مراد الحجاجي إلى أن إنتاج الهيدروجين الأخضر في المغرب بسعر يناهز خمسة دولارات للكيلوغرام الواحد يظل احتمالاً وارداً وفق نماذج ومحاكاة اقتصادية تأخذ في الاعتبار تكاليف الإنتاج والنقل والتصدير نحو الأسواق الأوروبية.
وأوضح أن المغرب قد يكون قادراً على تحمل تكاليف إنتاج الهيدروجين ونقله إلى أوروبا مع الحفاظ على مستوى تنافسي للأسعار.
ويظل هذا السعر تقديراً اقتصادياً افتراضياً، وليس سعراً تعاقدياً معلناً، كما لم يُكشف خلال الزيارة عن إبرام اتفاق نهائي لتزويد الشركات النمساوية بالهيدروجين المغربي أو عن جدول زمني ملزم لبدء عمليات التسليم.

نقل الهيدروجين إلى أوروبا.. الموانئ وخطوط الأنابيب في صلب النقاش
يشكل نقل الهيدروجين الأخضر من المغرب إلى الأسواق الأوروبية أحد أبرز التحديات المطروحة أمام تطوير هذا القطاع، بالنظر إلى الحاجة إلى بنية تحتية متخصصة في النقل والتخزين والتوزيع.
وفي هذا الإطار، يفضل تجمع Green H2 Cluster، على المدى القريب، دراسة الحلول التي تعتمد على الموانئ والنقل البحري، بالتوازي مع مواصلة بحث إمكانات نقل الهيدروجين عبر خطوط الأنابيب.
ولا يوجد حالياً خط أنابيب مخصص حصرياً لنقل الهيدروجين يعبر مضيق جبل طارق، غير أن تحويل بعض البنيات التحتية القائمة لنقل الغاز الطبيعي إلى خطوط قادرة على نقل الهيدروجين يظل أحد الخيارات المطروحة للدراسة، رهناً بمدى ملاءمتها التقنية والاستثمارات اللازمة لتأهيلها.
وشدد Günther Steinkellner على أن نجاح التحول الطاقي لا يرتبط بقدرات الإنتاج وحدها، بل يتطلب أيضاً بنية تحتية متطورة وفعالة تضمن تخزين الطاقة ونقلها وإيصالها إلى المنشآت الصناعية المستفيدة.
واعتبر أن التجربة المغربية تقدم نموذجاً يستحق الدراسة من حيث الترابط بين تطوير الطاقة والبنيات التحتية للنقل والأنشطة الصناعية، مشيراً إلى أن الاطلاع على هذه التجربة قد يتيح استخلاص دروس مفيدة لتطوير المنظومة الاقتصادية في ولاية النمسا العليا.
من جانبه، أوضح Markus Achleitner أن التحول الكامل للمنشآت الصناعية المعنية نحو استخدام الهيدروجين قد يستغرق ما بين 20 و30 سنة، وهو ما يجعل التخطيط المبكر لمصادر التزود المستقبلية أمراً ضرورياً.
وتبقى إمكانية وصول الهيدروجين المغربي إلى المصانع النمساوية مرتبطة، في نهاية المطاف، بتطور المشاريع الاستثمارية، وتوفر البنيات التحتية الملائمة، والقدرة على تأمين النقل والتخزين بشروط اقتصادية تنافسية.
طنجة المتوسط في صلب الاهتمام النمساوي بالبنيات التحتية اللوجستية
وشملت الزيارة جولة في المركب المينائي طنجة المتوسط، حيث اطلع Günther Steinkellner على البنيات التحتية للمناولة، والمحطات المتخصصة في استقبال السيارات وتصديرها، فضلاً عن المنشآت المخصصة للمحروقات.
وبحسب المعطيات التي أوردتها هيئة الإذاعة والتلفزيون النمساوية (ORF)، تمتد المساحة المينائية للمركب على نحو ألف هكتار، ما يعكس أهمية هذا المرفق في منظومة المبادلات التجارية والصناعية بين المغرب وأوروبا.
ويشكل طنجة المتوسط إحدى أبرز البوابات اللوجستية للمملكة، بالنظر إلى موقعه الجغرافي وشبكة الربط البحري التي يوفرها، فضلاً عن تكامله مع المناطق الصناعية واللوجستية المحيطة به.
ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة بالنسبة إلى الوفد النمساوي، الذي بحث إمكانات الاستفادة من البنيات التحتية المغربية في تطوير المبادلات الصناعية والتجارية، إلى جانب استكشاف فرص التعاون المستقبلي في مجال نقل الطاقة.
وأكد Günther Steinkellner أن المركب المينائي يمثل مثالاً على تطور الخدمات اللوجستية وترابط سلاسل النقل والإمداد على المستوى الدولي، بما يتيح فهماً أفضل للتدفقات المستقبلية للبضائع بين إفريقيا وأوروبا.

صناعة السيارات المغربية تفتح آفاقاً جديدة أمام الشركات النمساوية
ولم تقتصر المباحثات على الطاقة والبنيات التحتية، بل امتدت إلى قطاع صناعة السيارات، الذي يشكل أحد أهم مكونات النسيج الصناعي والتصديري المغربي.
وفي هذا السياق، زار الوفد شركة ATG Maroc، وهي منشأة صناعية تقع في المنطقة الحرة بطنجة، وترتبط بشراكة مع الشركة النمساوية starlim sterner، المتخصصة في مكونات السيليكون والأدوات الصناعية.
وتندرج هذه الزيارة ضمن مساعي الوفد للتعرف على إمكانات السوق المغربية، خصوصاً في مجالات تصنيع الآلات، وتوريد مكونات السيارات، والتجهيزات الصناعية، وتكنولوجيات النقل.
ويرى المسؤولون النمساويون أن تطور صناعة السيارات بالمغرب يوفر فرصاً للتعاون مع الشركات المتخصصة في الهندسة الميكانيكية والمعدات الصناعية، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها القطاع عالمياً، والتوجه المتزايد نحو تقنيات الإنتاج الأكثر كفاءة واستدامة.
وأشار Günther Steinkellner إلى أن المغرب استوعب مبكراً التحولات التي يعرفها قطاع السيارات، ونجح في توفير بيئة جاذبة للاستثمارات الصناعية، ما يجعله سوقاً واعدة أمام الشركات النمساوية الراغبة في توسيع أنشطتها وتعزيز حضورها الدولي.
كما تشمل مجالات التعاون المحتملة تكنولوجيات السكك الحديدية، ومعدات النقل، والطاقة والبيئة، إلى جانب فرص الشراكة في التصنيع والتجهيزات الصناعية.

تعاون يتجاوز الطاقة نحو شراكات صناعية ولوجستية طويلة الأمد
تعكس زيارة وفد ولاية النمسا العليا إلى المغرب توجهاً نحو استكشاف شراكات اقتصادية متعددة الأبعاد، تجمع بين تأمين الإمدادات المستقبلية من الطاقة النظيفة، وتطوير العلاقات الصناعية، والاستفادة من البنيات التحتية اللوجستية والمينائية المغربية.
وبالنسبة إلى النمسا العليا، يكتسي تنويع مصادر الطاقة أهمية متزايدة في ظل احتياجات قطاعاتها الصناعية، بينما يسعى المغرب إلى تعزيز موقعه ضمن سلاسل القيمة المرتبطة بالطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، وتوسيع فرص الاستثمار والتصدير.
ومع ذلك، فإن تحويل هذه الإمكانات إلى مبادلات تجارية فعلية يظل رهيناً بتقدم المشاريع المغربية، وتحديد الكميات القابلة للإنتاج والتصدير، وتطوير حلول النقل والتخزين، فضلاً عن التوصل إلى اتفاقات تجارية واضحة بشأن الأسعار وشروط التوريد.
وبذلك، تشكل الزيارة مرحلة لاستكشاف فرص التعاون وبناء الاتصالات المباشرة بين الفاعلين الاقتصاديين في الجانبين، دون أن تعني، في الوقت الراهن، إبرام اتفاق نهائي لاستيراد الهيدروجين الأخضر المغربي أو تحديد موعد ملزم لانطلاق الإمدادات نحو الصناعات النمساوية.






