
كشفت عملية تحقق بسيطة من مصدر صورة جرى تداولها على نطاق واسع خلال أحداث سبتة المحتلة عن واحدة من أكثر وقائع التضليل فجاجة، بعدما استُخدمت صورة شاب فلسطيني مصاب في قصف إسرائيلي لترويج ادعاء كاذب يفيد بأنها تعود إلى مهاجر مغربي تعرض لاعتداء من طرف القوات العمومية.
الصورة الأصلية توثق حالة الشاب الفلسطيني يوسف النجار، الذي أصيب بجروح بليغة جراء غارة جوية إسرائيلية، قبل نقله إلى مصر لتلقي العلاج وإخضاعه لعمليات جراحية بسبب إصابات وكسور خطيرة في أنحاء متفرقة من جسده. وتظهر الصور المنشورة في حسابه وهو على سرير المستشفى، وقد غطت الضمادات أجزاء واسعة من ذراعه وساقه وجذعه.
لكن هذه الوقائع الواضحة لم تمنع إعادة تدوير الصورة في سياق مختلف تماماً. فقد نشرها هشام جيراندو والمعطي منجب، إلى جانب حسابات وصفحات أخرى، باعتبارها صورة لمهاجر مغربي أصيب قرب سبتة بعد تعرضه لاعتداء بحجر من طرف عنصر في القوات المساعدة. وهكذا جرى حذف هوية الضحية الحقيقية، ومحو مكان الإصابة وظروفها، ثم تركيب رواية جديدة تستهدف القوات العمومية المغربية.
ولم تتوقف الكذبة عند حدود منصات التواصل الاجتماعي. فقد استخدمت صحيفة El Confidencial الإسبانية الصورة نفسها ضمن مقال نشرته في 3 غشت 2026، تحت عنوان يتهم قوات مغربية وُصفت بـ«شبه العسكرية» بمهاجمة مهاجرين بعنف عند الحدود. وبذلك انتقلت المعلومة الزائفة من حسابات التحريض إلى وسيلة إعلام إسبانية، من دون أن تخضع الصورة، على ما يبدو، لأبسط قواعد التحقق من المصدر والسياق.
تكمن خطورة هذه الواقعة في أنها لا تتعلق بخطأ تقني أو بصورة أرشيفية وُضعت في غير مكانها، بل بتغيير كامل لهوية الضحية وطبيعة إصابتها والجهة المسؤولة عنها. فالصورة التي توثق مأساة فلسطيني جريح في قصف إسرائيلي تحولت، بعد فصلها عن مصدرها الأصلي، إلى «دليل» بصري ضد المغرب ومؤسساته.
هذا الأسلوب يمثل نموذجاً واضحاً لما يعرف بالتضليل البصري، حيث تُستعمل صورة حقيقية داخل سياق كاذب لمنح رواية مختلقة قوة إقناع أكبر. فالمتلقي يرى إصابات حقيقية وضحية حقيقية، لكنه يُدفع إلى الاعتقاد بأن الصورة توثق واقعة أخرى لم تحدث بالطريقة التي قُدمت بها. وتزداد فاعلية هذا النوع من التضليل خلال الأزمات، عندما يكون الرأي العام مستعداً لتلقي المحتوى الصادم وإعادة نشره قبل التحقق منه.
الواقعة تكشف أيضاً عن تشابه لافت بين الخطاب الذي تروج له بعض الحسابات المعادية للمغرب وبين المعالجة التي تبنتها الصحيفة الإسبانية. فالمادة البصرية نفسها، والرواية الاتهامية نفسها، والهدف التحريري نفسه انتقلت من فضاء التحريض الرقمي إلى منبر إعلامي يفترض فيه الالتزام بقواعد التثبت والاستقلالية المهنية.
الأخطر أخلاقياً أن العملية قامت على استغلال مزدوج للضحية. فقد استُخدمت معاناة شاب فلسطيني أولاً خارج سياقها، ثم جرى توظيفها لتصفية حسابات سياسية وإعلامية مع المغرب. لم يعد يوسف النجار، في هذه الرواية الملفقة، إنساناً له اسم وقصة وإصابة موثقة، بل تحول إلى مجرد صورة قابلة للاقتطاع والتركيب وإعادة الاستخدام بحسب الحاجة.
كما تكشف هذه القضية طبيعة جزء من المحتوى الذي رافق أحداث سبتة المحتلة، حيث لم يكن الهدف دائماً توثيق الوقائع أو مساءلة المسؤولين، بل فرض رواية جاهزة بأي وسيلة، حتى ولو تطلب الأمر استعمال صور من حرب أخرى وبلد آخر وضحية أخرى. وعندما تصبح النتيجة مقررة سلفاً، تتحول الصورة من وثيقة إلى أداة اتهام، ويتحول التحقق إلى عائق يجب تجاوزه.
هذه الفضيحة تفرض على صحيفة El Confidencial تقديم تصحيح واضح وشفاف، وسحب الصورة من المقال، وشرح الكيفية التي مرت بها مادة مزيفة إلى النشر. كما تفرض مساءلة كل من أعاد نشر الصورة وهو يقدمها باعتبارها توثيقاً لواقعة مغربية، خصوصاً بعدما أصبح المصدر الأصلي متاحاً وقابلاً للتحقق.






